نبض الشارع
سجل و تمتع بخدمات موقعنا
ملاحضة
عملية التسجيل سهلة جدا فقط اسمك و ايميلك و رقم سري

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

نبض الشارع
سجل و تمتع بخدمات موقعنا
ملاحضة
عملية التسجيل سهلة جدا فقط اسمك و ايميلك و رقم سري
نبض الشارع
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

اذهب الى الأسفل
nermeen
nermeen
35
35
انثى عدد المساهمات : 18007
ذهب : 36295
تقييم المشاركات : 265
تاريخ التسجيل : 10/09/2011

كلمة عن الاسراء والمعراج بحث كامل عن الاسراء والمعراج  Empty كلمة عن الاسراء والمعراج بحث كامل عن الاسراء والمعراج

الإثنين يونيو 11, 2012 11:55 pm
كلمة عن الاسراء والمعراج بحث كامل عن الاسراء والمعراج
كلمة عن الاسراء والمعراج بحث كامل عن الاسراء والمعراج
بحث في الإسراء والمعراج

المقدمة

الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، والصلاة والسلام على محمد الذي أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أما بعد:

فهذا البحث المتواضع بعنوان (الإسراء والمعراج)، ويتكون من ثلاثة مباحث كالتالي:

المبحث الأول: تاريخ الإسراء والمعراج الزماني والمكاني.

المبحث الثاني: واقعة الإسراء والمعراج.

المبحث الثالث: فوائد الإسراء والمعراج، والدروس المستفادة منه.





المبحث الأول

تاريخ الإسراء والمعراج



تمهيد

معنى الإسراء: السير في الأرض ليلا، فهو رحلة أرضية، والمقصود به انتقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

ومعنى المعراج: هو الارتفاع والصعود والارتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء، وهو رحلة سماوية، والمقصود به الصعود برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى(1).



تاريخ الإسراء والمعراج

في هذا المبحث سأذكر أقوال المؤرخين في تحديدهم للتاريخ الذي وقع فيه الإسراء والمعراج، وكذلك المكان الذي وقع منه الإسراء، ثم يبان الراجح من هذه الأقوال.

وهذا المبحث ينقسم إلى مطلبين:

المطلب الأول: الزمان الذي وقع فيه الإسراء.

المطلب الثاني: المكان الذي وقع منه الإسراء.



المطلب الأول

الزمان الذي وقع فيه الإسراء:

اختلف المؤرخون في تحديد زمان الإسراء والمعراج على أقوال متعددة ومتفرعة، ويرجع هذا التفرع والاختلاف إلى قولين:

القول الأول:كان زمان الإسراء والمعراج قبل البعثة.

القول الثاني: كان زمان الإسراء والمعراج بعد البعثة.

أدلة الأقوال:

1- أدلة أصحاب القول الأول القائلون بأن وقوع الإسراء والمعراج كان قبل البعثة:

استدل أصحاب القول الأول: بما ورد في صحيح البخاري من رواية شريك ابن عبد الله: أن الليلة التي أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيها: كانت قبل أن يوحى إليه(2).

2- أدلة أصحاب القول الثاني القائلون بأن وقوع الإسراء والمعراج كان بعد البعثة:

من أقوى الأدلة لأصحاب القول الثاني- وهم الأكثر- ما ورد في الأحاديث من سؤال بواب السماء لجبريل- عليه السلام -: وقد بعث إليه؟ فيقول جبريل: قد بعث إليه(3) وهو الراجح .

مناقشة دليل القائلين بأن وقوع الإسراء والمعراج كان بعد البعثة:

عند النظر إلى دليل أصحاب القول الأول: القائلون بأن وقوع الإسراء والمعراج كان قبل البعثة: نجد أنه أخرجه البخاري من رواية شريك ابن عبد الله، وقد أنكر الخطابي، وابن حزم، وعبد الحق، والقاضي عياض، والنووي، وغيرهم: وقوع الإسراء والمعراج قبل الوحي. ومما قاله النووي: ( وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء)(4). وقال الخطابي: ليس في الكتاب – يعني في صحيح البخاري – حديث أشنع ظاهرا ولا أشنع مذاقا من هذا. فحاصل الأمر في النقل أن هذه القصة من جهة الراوي، إما من أنس وإما من شريك، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة. وقال ابن حزم: لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وصحة معرفتهما. وقال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين: زاد فيه يعني شريك زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ(5).



قال ابن حجر: ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك: ومنها: أن الإسراء والمعراج كان قبل البعثة(6).

ومحل الشاهد لما استدل به أصحاب القول الأول: بأن زمان الإسراء كان قبل البعثة :ما جاء في الراية: "...جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه"(7). لكنه ورد في الرواية نفسها: "حتى أتوه ليلة أخرى"، ولم يعين الراوي المدة التي بين المجيئين، وإذا كان بين المجيئين مدة، فإما أن تكون المدة ليلة واحدة، أو ليالٍ كثيرة، أو عدة سنين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه. وهو ما جرى عليه الحافظ في الفتح(Cool. وهو ما ذهب إليه ابن كثير، وجزم به ابن القيم.

وأيضاً: فقد أجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء؛ وعلى القول بأن الإسراء والمعراج قبل البعثة؛ يلزم منه أن فرض الصلاة كان قبل الوحي؟ وهو قول غير صحيح، والصواب أن الإسراء والمعراج بعد البعثة، وهو الذي اتفق عليه العلماء(9).

ولقد اختلف أصحاب القول الثاني- الذين قالوا: بأن الإسراء والمعراج بعد البعثة- على أقوال كثيرة(10):

فقيل: قبل الهجرة بسنة. قاله ابن مسعود، وجزم به النووي(11)،ونقل ابن حزم الإجماع على هذا القول، لكن تعقبه الحافظ ابن حجر، وبين أن في ذلك اختلافاً كثيراً(12).

وقيل: قبل الهجرة بثمانية أشهر، حكاه ابن الجوزي.

وقيل: بستة أشهر، حكاه أبو الربيع ابن سالم.

وقيل: بأحد عشر شهراً، قاله إبراهيم الحربي، ورجحه ابن المنير.

وقيل: بخمسة عشر شهراً، حكاه ابن فارس.

وقيل: بسبعة عشر شهراً، قاله السدي.

وقيل: بثمانية عشر شهراً، حكاه ابن عبد البر.

وقيل: بعشرين شهراً.

وقيل: بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير.

وقيل: بخمس سنين، قاله الزهري، وممن حكاه عنه القاضي عياض، وتبعه القرطبي، والنووي ورجحوه، واحتجوا لهذا القول: بأن خديجة- رضي الله عنها- صلت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بعد فرض الصلاة، وبأنها- خديجة- توفيت قبل الهجرة، إما بثلاث وإما بخمس، وبأن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. وهذا القول الذي قاله الزهري، وتبعه عليه غيره من العلماء فيه نظرٌ لا يخفى للأسباب التالية:

1- أن الصلاة التي كانت أول البعثة: ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، والصلاة التي فرضت ليلة الإسراء: هي الصلوات الخمس.

وعليه: فيمكن الجمع بين قولهم: إن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، والقول الآخر: إن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة: بأن الصلاة التي صلتها خديجة معه: هي التي كانت أول البعثة، وكون خديجة ماتت قبل فرض الصلاة، فالمراد: الصلوات الخمس.

2- أن في تاريخ موت خديجة اختلاف، فقيل: توفيت قبل الهجرة، إما بثلاث وإما بخمس. وقال الزهري: إنها ماتت لسبع سنين مضت من البعثة، حكاه العسكري عنه(13).

وهذه الأقوال السابقة تدل على أن زمان الإسراء والمعراج قبل الهجرة.

ومن الأقوال في تحديد زمان الإسراء والمعراج: بأنه كان بعد البعثة، قيل: بخمس سنين. وقيل: بخمسة عشر شهراً. وقيل: بعام ونصف(14).

والذي يظهر من هذه الأقوال: هو القول بأن الإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بسنة، وهذا التاريخ يوافق السنة الثالثة عشر من النبوة، وقد ذكر المؤرخون أن إسراءه – عليه الصلاة والسلام- إلى بيت المقدس كان قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وذلك لأن الإسراء قريب من الهجرة، وقد كان الإسلام حينئذٍ قد فشا وانتشر، وكثر المسلمون(15).

ولأن خديجة – رضي الله عنها- توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة(16)، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة الإسراء.

وأمّا تحديد الشهر الذي وقع فيه الإسراء والمعراج:

فقد وردت أقوال كثيرة في تحديد الشهر(17):

قيل: في ربيع الآخر، ورجحه ابن المنير في شرح السيرة، وجزم به النووي في شرح مسلم. وقيل: في ربيع الأول، وجزم به النووي. وقيل: في رجب، وجزم به في الروضة. وقيل: في رمضان، قاله الواقدي. وقيل: في شوال، قاله الماوردي. قال السيوطي: والمشهور أنه في رجب(18). وهذا هو الذي يظهر.

وأمّا تعيين الليلة من الشهر:

قيل: إنها ليلة السبت لسبع عشر من رمضان، قاله ابن سعد.

وقيل: ليلة سبع عشرة من ربيع الأول، قاله ابن جُماعة في مختصر السيرة.

وقيل: ليلة السابع والعشرين من شهر رجب(19).

وقيل: إنها ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر، قاله ابن المنير.

قال ابن المنير: ويمكن أن يعين اليوم الذي أسفرت عنه هذه الليلة، ويكون يوم الاثنين استقراءً من تاريخ الهجرة؛ فإنها على الأصح كانت يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وإذا كان الثاني عشر يوم الاثنين فأوله الخميس قطعاً، فيكون أول ربيع الأول من السنة التي قبلها إما السبت أو الأحد أو الاثنين لأن كل يومين متقابلين من سنتين متواليتين بينهما ثلاثة أو أربعة أو خمسة، ولهذا تكون الوقفة من كل سنة خامس يوم من التي قبلها أو سادسة أو سابعة، وأعدل الاحتمالات الأول، فالجمعة تعقبها الثلاثاء، والاثنين تعقبها الجمعة، وقد يكون بخلاف ذلك بحسب توالي التمام والنقصان في الشهور، فتبنى على الأقل، فيكون أول ربيع الأول من سنة الإسراء الاثنين، ويكون أول ربيع الآخر، وهو شهر الإسراء الأربعاء، وحينئذٍ فالسابع والعشرون منه الاثنين، وهو يوافق كون مولده يوم الاثنين، ومبعثه يوم الاثنين، وكذا هجرته وفاته، فان هذه أطوار الانتقالات النبوية، وقد حصل الاتفاق على أربعة منها أنها يوم الاثنين، فيقرب جداً في الخامس أن يكون أسوتها، ويكون يوم الاثنين في حقه – صلى الله عليه وسلم – كيوم الجمعة في حق آدم عليه السلام(20).

وقيل: إنها كانت ليلة الجمعة، وهذا النقل لائق بالإسراء لأجل فضيلة الجمعة، لكن العبرة بما صح من الأخبار، لأنه ورد أن جبريل – عليه السلام – صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم – أول يوم بعد الإسراء الظهر وليس الجمعة.

قال ابن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي، قال: ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام بمكة في قريش، وفي القبائل كلها(21).



المطلب الثاني

المكان الذي وقع منه الإسراء

عند ذكر المكان الذي وقع منه الإسراء؛ لا بد من بيان أن المقصود بالمكان: إما المكان العام، وهو البلد، أو المكان الخاص، وهو تحديد المكان في البلد نفسه.

فباعتبار البلد: فهو مكة، لظاهر قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾[الإسراء:1] ومن قال: بالمدينة فمحمول على التعدد والمنام(22) كما سيأتي بيان ذلك.

وباعتبار المكان الخاص في البلد: فالروايات الواردة في تحديد مكان الإسراء كالتالي:

1- عند البخاري: أنه كان عند البيت الحرام(23).

2- وفي باب المعراج: في الحطيم، وربما قال: في الحِجْر، والشك من قتادة(24). قال الحافظ: والمراد بالحطيم هنا: الحجر.

3- وفي رواية الزهري عن أنس: "فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة"(25). فدل هذا على أنه أسري به من بيته.

4- وفي رواية الواقدي: أنه أسري به من شعب أبي طالب.

5- وفي حديث أم هانئ:" أنه بات في بيتها، قالت: ففقدته من الليل. فقال: إن جبريل أتاني..."(26).



والجمع بين هذه الأقوال:

قال بعضهم: ليس بين هذه الألفاظ جميعاً تنافي، لأنه قد يكون المراد بالمسجد الحرام: الحرم. قال ابن عباس: الحرم كله مسجد(27).



وقيل: إنه بات في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، وكونه فرج عن سقف بيته، وأضاف البيت إليه؛ مع أنه في بيت أم هانئ، لأنه كان يسكنه، فنزل منه منزلة المالك، وأخرجه إلى المسجد، وكان به أثر النعاس، ثم أخرجه إلى باب المسجد، فأركبه البراق(28).





المبحث الثاني

واقعة الإسراء والمعراج





هذا المبحث فيه ستة مطالب كالتالي:

المطلب الأول: الأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج، ومعرفة اختلاف الألفاظ، وأقوال المحدثين فيها.

المطلب الثاني: هل كان الإسراء والمعراج في اليقظة أم في المنام؟

المطلب الثالث: هل كان الإسراء والمعراج بالجسد والروح، أم بالروح فقط؟

المطلب الرابع: هل رأى النبي – صلى الله عليه وسلم- ربه ليلة الإسراء؟

المطلب الخامس: هل كان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة أم لا؟

المطلب السادس: هل تعدد الإسراء والمعراج أم لا؟
nermeen
nermeen
35
35
انثى عدد المساهمات : 18007
ذهب : 36295
تقييم المشاركات : 265
تاريخ التسجيل : 10/09/2011

كلمة عن الاسراء والمعراج بحث كامل عن الاسراء والمعراج  Empty رد: كلمة عن الاسراء والمعراج بحث كامل عن الاسراء والمعراج

الإثنين يونيو 11, 2012 11:56 pm


المطلب الأول

الأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج، ومعرفة اختلاف الألفاظ، وأقوال المحدثين فيها.



إنّ الأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج لا تخلو عن كونها سلمت من اعتراضات العلماء المحدثين، أولم تسلم من اعتراضهم، وسأذكر القسمين إن شاء الله تعالى.







أولاً: الأحاديث التي سلمت من الاعتراض:

وأبدأ بأجودها وأتقنها، وهو حديث حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن انس.

1- قال مسلم ابن الحجاج :

حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك– رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:" أتيت بالبراق - وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه- قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل -عليه السلام- بإناءٍ من خمر وإناءٍ من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل - صلى الله عليه وسلم-: اخترت الفطرة.

ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل(29) فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل - عليه السلام- فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك ؟ قال محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا - صلوات الله عليهما-، فرحبا بي ودعوا لي بخير.

ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم-. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف -صلى الله عليه وسلم- وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل - عليه السلام-، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير قال الله - عز وجل- : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ [مريم:57].

ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون - صلى الله عليه وسلم- فرحب بي ودعا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل - عليه السلام- قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى - صلى الله عليه وسلم- فرحب بي ودعا لي بخير.

ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم- قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم - صلى الله عليه وسلم- مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال(30)، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي(31) تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى - صلى الله عليه وسلم- فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى - صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه"(32).



2- قال محمد ابن إسماعيل البخاري:

حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: كان أبو ذر- رضي الله عنه- يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:" فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم أطبقه.

ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح قال: من هذا؟ قال جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد - صلى الله عليه وسلم- فقال: أأرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة(33) إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. حتى عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأول ففتح. قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم - صلوات الله عليهم- ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم- بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس. ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. ثم مررت بعيسى فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى. ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-.

ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام(34)، ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته فقال: هي خمسٌ وهي خمسون لا يبدل القول لدي. فرجعت إلى موسى فقال: ارجع ربك. فقلت:قد استحييت من ربي ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ(35)، وإذا ترابها المسك"(36).



3- وقال الإمام البخاري، والإمام أحمد:

حدثنا عفان، قال حدثنا همام بن يحيى، قال سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، أن مالك بن صعصعة حدثه، أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم- حدثهم عن ليلة أسري به قال:" بينا أنا في الحطيم - وربما قال قتادة في الحجر – مضطجعا إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة قال فأتاني: فقدّ ( وسمعت قتادة يقول: فشق) ما بين هذه إلى هذه. (قال قتادة: فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني؟ قال من ثغرة نحره إلى شعرته وقد سمعته يقول من قصته إلى شعرته) قال: فاستخرج قلبي فأتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا وحكمة فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض (قال فقال الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم) يقع خطوه عند أقصى طرفه. قال: فحملت عليه فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء. قال: ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم عليه السلام فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. قال: ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء. قال: ففتح فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة. فقال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما قال: فسلمت، فردّا السلام، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.

ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه، قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال ففتح فلما خلصت فإذا يوسف عليه السلام، قال: هذا يوسف فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال ففتح فلما خلصت فإذا إدريس عليه السلام، قال: هذا إدريس فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.

ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا هارون عليه السلام، قال: هذا هارون فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، قال فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.

ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا أنا بموسى عليه السلام، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: فلما تجاوزت بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي ثم يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.

ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت فإذا إبراهيم عليه السلام، فقال: هذا إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح.

قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى، قال: وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات.

قال: ثم رفع إلى البيت المعمور( قال قتادة: وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه ثم رجع إلى حديث أنس قالاردني فايع ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل قال: فأخذت اللبن. قال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك. قال: ثم فرضت الصلاة خمسين صلاة كل يوم ..."(37).



4- قال الإمام البخاري:

حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه قال: سمعت جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما-، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:" لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه"(38).



5- قال الإمام أحمد:

حدثنا محمد بن جعفر وروح المعنى قالا حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فظعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلا حزينا، قال: فمر عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نعم، قال: ما هو؟ قال: إنه أسري بي الليلة، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال: فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: نعم، فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي هلموا قال: فانتفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما، قال حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: إني أسري بي الليلة، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب زعم، قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقال أو عقيل فنعته، وأنا أنظر إليه، قال وكان مع هذا نعت لم أحفظه، قال فقال القوم: أما النعت فو الله لقد أصاب"(39).



6- قال البيهقي:

وحدثنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني مكرم بن أحمد القاضي قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي قال: حدثنا محمد بن كثير الصنعاني قال: حدثنا معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها-، قالت:" لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر - رضي الله عنه-، فقالوا: هل لك في صاحبك ؟ يزعم أنه أسري به في الليل إلى بيت المقدس، قال: أو قال ذلك ؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: وتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح ؟ قال: نعم، إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك: أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر الصديق"(40).



ثانياً:الأحاديث التي وردت فيها الاعتراضات:

1- قال البخاري:

حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله، أنه قال: سمعت أنس بن مالك- رضي الله عنه- يقول:" ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم- من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر(41) قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم :هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، وكانت تلك الليلة فلم يرهم، حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته(42) حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشو إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه- ثم أطبقه.

ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب باباً من أبوابها، فناداه أهل السماء من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد. قالوا: وقد بعث، قال: نعم. قالوا: فمرحبا به وأهلا يستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه. فسلم عليه ورد عليه آدم وقال: مرحبا وأهلا بابني، نعم الابن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان(43) فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما(44). ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.

ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم- قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به وأهلا.

ثم عرج به إلى السماء الثالثة وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن يرفع علي أحد ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا للجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار فقال - وهو مكانه-: يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى، فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال يا محمد: والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً فارجع فليخفف عنك ربك؛ كل ذلك يلتفت النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال : يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا، فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضته عليك في أم الكتاب، قال فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه، قال فاهبط باسم الله، قال واستيقظ وهو في مسجد الحرام"(45).

وشريك: هو ابن عبد الله ابن أبي نمر- تابعي مدني- وهو غير شريك النخعي القاضي .



أقوال العلماء المحدثين في هذا الحديث:

1- قال الإمام ابن كثير : اضطرب شريك في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه (46).

2-قال الإمام النوويSad وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء)(47).

3- قال الإمام الخطابي: ليس في الكتاب – يعني في صحيح البخاري – حديث أشنع ظاهرا ولا أشنع مذاقا من هذا. فحاصل الأمر في النقل أن هذه القصة من جهة الراوي، إما من أنس وإما من شريك، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة.

4- قال ابن حزم: لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وصحة معرفتهما.

5- قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين: زاد فيه يعني شريكا زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ(48).

6- قال ابن حجر(49): ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك:

الأول: أمكنة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- في السماوات وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم فذكر أن موسى في السماء السابعة بفضل كلامه لله والمشهور في الروايات أن الذي في السماء السابعة هو إبراهيم وآكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان مسندا ظهره إلى البيت المعمور.

ويمكن أن يجاب على هذا الاعتراض بمسلك الجمع بين الروايات على النحو التالي:

1- أن موسى كان في حالة العروج في السادسة وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة لأنه لم يرد في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فرض الله على أمته من الصلاة كما كلمه موسى، والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط فناسب أن يكون موسى بها لأنه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات. 2- أنه لقي موسى في السادسة فأُصعِد معه إلى السابعة تفضيلا له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع المصطفى فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة .والله أعلم.

الثاني: كون المعراج قبل البعثة،وذلك في قوله :"وقبل قبل أن يوحى إليه" وأنكر هذه اللفظة الخطابي وبن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي وقال: أجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون قبل الوحي.

ويمكن أن يجاب بأن المعراج بعد البعثة من خلال رواية شريك بما يلي:

1- قوله: حتى أتوه ليلة أخرى، ولم يعين المدة التي بين المجيئين فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحى إليه، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابي وبن حزم وغيرهما بأن شريكا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة.

2- قوله في هذا الحديث قالوا :وقد بعث، قال: نعم.

الثالث: كونه مناماً، لأنه جاء في الحديث: فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام.

ويجاب عليه: بأنه إن حمل على ظاهره جاز أن يكون نام بعد أن هبط من السماء فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام، أو يؤول والمعنى: أفاق مما كان فيه فإنه كان إذا أوحي إليه يستغرق فيه فإذا انتهى رجع إلى حالته الأولى، فكنى عنه بالاستيقاظ.

الرابع: مخالفته في محل سدرة المنتهى، حيث ذكر أنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة على قول الجمهور.

الخامس: مخالفته في النهرين، وهما النيل والفرات، وأنّ عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة، وأنّهما من تحت سدرة المنتهى.

ويمكن الجمع بالآتي: أن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى، ومقرهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض.

السادس: شق الصدر عند الإسراء.

ويمكن أن يجاب على ذلك: بأن شق الصدر ورد في روايات متعددة منها: عند البعثة كما أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو نعيم، والبيهقي في دلائل النبوة، ووقع شق الصدر الكريم أيضا في حديث أبي هريرة حين كان بن عشر سنين، وهو عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند(50).

السابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة، والجنة في السماء.

الثامن: نسبة الدنو والتدلي إلى الله عز وجل، والمشهور في الحديث أنه جبريل، والذي قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها:أنه دنا جبريل من محمد -صلى الله عليه وسلم- فتدلى، أي: تقرب منه .الثاني: تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع حتى رآه متدليا كما رآه مرتفعا وذلك من آيات الله حيث أقدره على أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء ولا تمسك بشيء. الثالث: دنا جبريل فتدلى -محمد صلى الله عليه وسلم- ساجدا لربه تعالى شكرا على ما أعطاه.

التاسع: تصريحه بأن امتناعه - صلى الله عليه وسلم- من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة .

العاشر: قوله: فعلا به الجبار.

الحادي عشر: رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث: أن موسى عليه الصلاة والسلام أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع (51).

الثاني عشر: زيادة ذكر التور في الطست .

2- قال أحمد:

حدثنا أبو النضر حدثنا شيبان عن عاصم عن زر بن حبيش قال أتيت على حذيفة بن اليمان وهو يحدث عن ليلة أسري بمحمد - صلى الله عليه وسلم- وهو يقول:" فانطلقا حتى أتيا بيت المقدس فلم يدخلاه ولا صلى فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، فرأيا الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم عادا عودهما على بدئهما، قال ثم ضحك حتى رأيت نواجذه، قال: ويحدثون أنه ربطه لا يفر منه، وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة"(52).

3- قال البيهقي:

أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب قال: أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أنبأنا أبو محمد بن أسد الحماني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال له أصحابه: يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها؟ قال: " قال الله - عز وجل- ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾[الإسراء:1]. قال: فأخبرهم قال: بينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني فاستيقظت، فلم أر شيئا، ثم عدت في النوم، ثم أيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا، ثم عدت في النوم، ثم أيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا، فإذا أنا بهيئة خيال فأتبعته ببصري حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى شبيهة بدوابكم هذه، بغالكم هذه، مضطرب الأذنين، يقال له: البراق، وكانت الأنبياء - صلوات الله عليهم- تركبه قبلي، يقع حافره(53) مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد أنظرني أسألك، يا محمد أنظرني أسألك، فلم أجبه، ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد أنظرني أسألك، يا محمد أنظرني أسألك، فلم أجبه، ولم أقم عليه، وبينما أنا أسير عليه، إذا أنا بامرأة حاسرةٍ عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت: يا محمد أنظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، ولم أقم عليها، حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها به، فأتاني جبريل عليه السلام بإناءين: أحدهما خمر، والآخر لبن، فشربت اللبن وتركت الخمر، فقال جبريل: أصبت الفطرة، فقلت: الله أكبر، الله أكبر، فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟ قال: فقلت: بينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يميني يا محمد أنظرني أسألك، فلم أجبه، ولم أقم عليه قال: ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك. قال: وبينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري، فقال: يا محمد، أنظرني أسألك، فلم ألتفت إليه، ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك، فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرةٍ عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله، تقول: يا محمد، أنظرني أسألك، فلم أجبها، ولم أقم عليها قال: تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة.

قال: ثم دخلت أنا وجبريل عليه السلام بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين.

ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيتم الميت حين يشق بصره طامحاً إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج. قال: فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له: إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف ملك قال: وقال الله - عز وجل- :﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾[المدثر:31] فاستفتح جبريل باب السماء، قيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، فإذا أنا بآدم كهيئة يوم خلقه الله على صورته تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة ونفس طيبة، اجعلوها على عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين ، ثم مضيت هنيهة(54) فإذا أنا بأخونةٍ - يعني الخوان(55): المائدة التي يؤكل عليها لحم مشرح - ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونةٍ أخرى عليها لحم قد أروح ونتن، عندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام قال: ثم مضت هنية فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم لا تقم الساعة، قال: وهم على سابلة آل فرعون قال: فتجيء السابلة(56) فتطؤهم، قال: فسمعتهم يضجون إلى الله سبحانه . قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾[البقرة:275]. قال: ثم مضت هنيهة، فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، قال: فيفتح على أفواههم ويلقمون ذلك الحجر ؛ ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾[النساء:10].

قال: ثم مضت هنيهة فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن فسمعتهن يصحن إلى الله عز وجل قلت: يا جبريل، من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك.

قال: ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام تقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمونه فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون .

ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله قد فضل عن الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب . قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي.

ثم صعدت إلى السماء الثالثة، فإذا أنا بيحيى وعيسى، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما علي.

ثم صعدت إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا، فسلمت عليه وسلم علي.

ثم صعدت إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي .

ثم صعدت إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران - رجل آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفد شعره دون القميص - وإذا هو يقول: يزعم الناس إني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله مني قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران قال: ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي.

ثم صعدت إلى السماء السابعة فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن، سانداً ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال ؛ قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم خليل الرحمن، هو ونفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، وإذا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد(57) . قال: فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على حر، فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي، قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة .

قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى(58)، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال: لها سلسبيل، فينشق منها نهران أحدهما: الكوثر والآخر يقال له: نهر الرحمة، فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر.

ثم إني دفعت إلى الجنة فاستقبلتني جارية فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وإذا رمانها كأنه الدلاء عظما، وإذا أنا بطير كالبخاتي هذه، فقال عندها - صلى الله عليه وسلم- : إن الله قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .قال: ثم عرضت على النار فإذا فيها غضب الله ورجزه ونقمته، لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني.

ثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشى لي، وكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى، قال: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة قال: وقال: فرضت علي خمسون صلاة، وقال: لك بكل حسنة عشر، إذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة فإذا عملتها كتبت لك عشرا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة .( ثم ذكر ما وقع بينه وبين موسى) . ثم أصبح بمكة يخبرهم بالعجائب: أني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا ورأيت كذا، فقال أبو جهل بن هشام: ألا تعجبون مما يقول محمد يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا، وأحدنا يضرب مطيته(59) مصعده شهرا، ومنقلبه شهرا، فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة . قال: فأخبرهم بعير لقريش لما كان في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت فلما رجعت رأيتها عند العقبة، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء، فقال رجل من المشركين: أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه؟ وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ فإن يكن محمد صادقا فسأخبركم، وإن يكن كاذبا فسأخبركم، فجاءه ذلك المشرك، فقال: يا محمد، أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني كيف بناؤه؟ وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ قال: فرفع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- بيت المقدس من مقعده فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته: بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا، فقال الآخر: صدقت . فرجع إلى الصحابة، فقال: صدق محمد فيما قال أو نحوا من هذا الكلام "(60).

4- قال محمد بن إسحاق:

وحدثني محمد ابن السائب الكلبي، عن ابي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب - رضي الله عنها- -واسمها هند-، في مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلا وهو في بيتي، نام عندي تلك الليلة في بيتي، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فلما صلى الصبح وصلينا معه قال:" يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين، ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه فتكشف عن بطنه كأنه قبطية مطوية، فقلت له: يا نبي الله لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، قال: والله لأحدثنهموه. قالت: فقلت لجارية لي حبشية ويحك اتبعي رسول الله -- صلى الله عليه وسلم- حتى تسمعي ما يقول للناس وما يقولون له. فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى الناس أخبرهم فعجبوا، وقالوا: ما آية ذلك يا محمد؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط ؛ قال: آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا. فأنفرهم حس الدابة فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا موجه إلى الشام. ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ؟ وآية ذلك: أن عيرهم الآن يصوب من البيضاء ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما: سوداء، والأخرى: برقاء. قالت: فابتدر القوم الثنية: فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءا ماء ثم غطوه وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا: صدق والله لقد أنفرنا في الوادي الذي ذكر وند لنا بعير فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه"(61).

5- قال ابن كثير:

حدثنا مروان بن معاوية، عن قنان بن عبد الله النهمي، حدثنا أبو ظبيان الجنبي، قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة بن عبد الله -يعني ابن مسعود- ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وهما جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدثنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد - صلى الله عليه وسلم- . فقال أبو عبيدة: لا بل حدثنا أنت عن أبيك. فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت! قال: فأنشأ أبو عبيدة يحدث يعني عن أبيه كما سئل، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "أتاني جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه، ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم(62)، كأنه من رجال أزد شنوءة، وهو يقول - فيرفع صوته- : أكرمته وفضلته، قال: فدفعنا إليه فسلمنا عليه، فرد السلام، فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد، قال: مرحبا بالنبي الأمي العربي، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته. قال: ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران. قال:

قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك! قلت: فيرفع صوته على ربه؟! قال: إن الله - عز وجل- قد عرف له حدته. قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرج تحتها شيخ وعياله. قال: فقال لي جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم. فدفعنا إليه فسلمنا عليه، فرد السلام، فقال إبراهيم: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد. قال: فقال: مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، يا بني: إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل. قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة بالحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها. ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين راكع وقائم وساجد. قال: ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن فأخذت اللبن فشربت فضرب جبريل عليه السلام منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد. قال: ثم أقيمت الصلاة فأممتهم، ثم انصرفنا فأقبلنا"(63).

6- قال الطبراني:

حدثنا عبد الله بن سعيد بن يحيى الرقي، ثنا أحمد بن أبي شيبة الرهاوي، ثنا أبو قتادة الحراني، ثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:" كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقبل فاطمة، فقلت: يا رسول الله ! إني أراك تفعل شيئا ما كنت أراك تفعله من قبل، فقال لي:يا حميراء، إنه لما كان ليلة أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة، فوقفت على شجرة من شجر الجنة لم أر في الجنة شجرة هي أحسن منها حسنا، ولا أبيض منها ورقة، ولا أطيب منها ثمرة، فتناولت ثمرة من ثمرتها، فأكلتها فصارت نطفة في صلبي، فلما هبطت الأرض واقعت خديجة، فحملت بفاطمة، فإذا أنا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت ريح فاطمة، يا حميراء، إن فاطمة ليست كنساء الآدميين، ولا تعتل كما يعتلون"(64).







المطلب الثاني

هل كان الإسراء والمعراج في اليقظة أم في المنام؟



ذهب الجمهور من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين: إلى أنهما في اليقظة، وقد تواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة. وذهب جماعة: إلى أن الإسراء كان في المنام(65).

وذهبت طائفة ثالثة: إلى وقوع الأمرين، وأن الإسراء كان مرتين: إحداهما : كان في نومه توطئةً له وتيسيراً عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة. وثانيهما:كان في اليقظة.

وإليه ذهب القاضي أبو بكر بن العربي، وذكره المهلب عن طائفةٍ من العلماء(66)، وأيّده ابن كثير فقال: ( وقد وقع له - صلى الله عليه وسلم- إسراءٌ قبل ذلك مناما قبله، ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس)(67).

أدلة الأقوال:

احتج من قال بأنه كان مناماً بالآتي:

1- بقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ﴾[الإسراء:60]. قال الحسن: إن هذه الآية نزلت في ذلك. ولو كان يقظة لقال: (الرؤية) بالتاء، وكونه فتنة للناس دليل على وقوع ذلك في المنام

2- بقوله - عليه الصلاة والسلام- في حديثه عن الإسراء والمعراج: " بينا أنا نائم"(68).

3- قول أنس- رضي الله عنه- وهو يذكر حديث الإسراء والمعراج عن النبي – صلى الله عليه وسلم- فيقول في بدايته: "وهو نائم في المسجد الحرام".وفي آخره:"فاستيقظت وأنا عند المسجد الحرام"(69). أي: انتبهت من منامي وأنا في المسجد الحرام.

4- قالوا : إنه - صلى الله عليه وسلم- كان تلك الليلة نائم العين لكنه حاضر القلب، وأغمض عينيه لئلا يشغله شيء من المحسوسات عن الله تعالى.

وذكر أهل السير أن القول: بأن الإسراء كان مناماً يعزى لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، فإن ابن إسحاق قال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؟ قال: (كانت رؤيا من الله تعالى صادقة).

لكن في هذا السند انقطاع، فإن يعقوب بن عتبة لم يدرك معاوية، فالحجة منقطعة(70).

وكذلك يعزى أيضاً لعائشة -رضي الله عنها-، قال ابن إسحاق: حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم- كانت تقول: ( ما فقد جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولكن أسري بروحه).

قال ابن القيم في زاد المعاد: (ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم. وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان مناما، وإنما قالا: الإسراء بروحه ولم يفقد جسده)(71).

وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبةً للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه عرج به إلى السماء، أو ذهب به إلى مكة أو أقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال.

مناقشة أدلة القائلين بأن الإسراء والمعراج كان مناماً:

1- أجيب عن الآية: بأن الرؤية والرؤيا واحد، قال أهل اللغة: رأيت رؤية ورؤيا، مثل قربة وقربى(72). وكون الرؤية فتنةً للناس، فهذا دليل عليهم إذ ليس في الرؤيا فتنة، ولا يكذب به أحد. وقيل: إن الآية نزلت في غير قصة الإسراء، فالرؤيا التي في الآية: هي المنام المتعلق بالحديبية، وعليه فلا تصلح دليلاً لهم.

2- ومما يرد قولهم حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- أنه قال في الآية: هذه رؤيا عين أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء،. قال الحافظ: ( إضافة الرؤية للعين للاحتراز عن رؤيا القلب) وبه جزم مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقتادة، وعبد الرحمن ابن زيد، وغيرهم(73).

3- أما استدلالهم بالحديث في قوله:" بينا أنا نائم"، وقول أنس: "وهو نائم في المسجد الحرام"، وفي آخر القصة "فاستيقظت وأنا عند المسجد الحرام".

فهذا لا يدل على أن النوم استمر به في القصة كلها، بل كان هذا أول وصول الملك إليه بشهادة حديث الحسن: "بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل إلى أن قال: فجرني إلى باب المسجد، فإذا أنا بدابة" فهو محمول على ابتداء الحال، ثم استيقظ بعد ذلك.

قال القاضي عياض: ولا يصح أن يكون هذا [ كونه عليه الصلاة والسلام كان نائماً] في وقت صلاته بالأنبياء، وقد يعبر بالنوم هنا عن هيئة النائم من الاضطجاع، ويقويه قوله: " بينا أنا نائم"، وربما قال: "مضطجع"(74).

وأما الاستيقاظ المذكور في نهاية القصة فالمراد: الإيقاظه البشرية من الغمرة الملكية، على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة. قال الحافظ ابن حجر: المعنى أفاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة عجائب الملكوت(75). وقال ابن كثير: ومما يؤيده أنه - صلى الله عليه وسلم- كان إذا أوحي إليه يستغرق فيه، فإذا انتهى رجع إلى حالته الأولى.

ومن الأدلة على أن الاستيقاظ قد يقصد به الإفاقة والانتباه:

1- حديث عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم-: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد ؟ قال:" لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب(76) فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا"(77).

الشاهد: فلم أستفق، والمعنى: أي: لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي وللموضع الذي أنا ذاهب إليه وفيه إلا وأنا عمد قرن الثعالب؛ لكثرة همي الذي كنت فيه(78).

2-حديث أبي أسيد حين جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بولده فوضعه النبي - صلى الله عليه وسلم- على فخذه وأبو أسيد جالس فلهى النبي - صلى الله عليه وسلم- بشيء بين يديه فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل من على فخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأقلبوه، فاستفاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: أين الصبي ؟ فقال أبو أسيد: أقلبناه يا رسول الله، فقال: ما اسمه ؟ قال: فلان يا رسول الله، قال: لا ولكن اسمه المنذر، فسماه يومئذ المنذر"(79).

الشاهد من الحديث: فاستفاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والمعنى: انتَبَهَ من شُغله وفكره الذي كان فيه(80).

ومسلك الجمع بين الأحاديث هو أولى من التغليط لروايةٍ صحيحة، وهذا الجمع بين الروايات وبين رواية شريك التي أخرجها البخاري إنما هو على افتراض سلامة الحديث من الاعتراض. وإلا فإنّ الحديث انتقده العلماء المحدثون، وذكروا أنّ شريك ابن عبد الله اضطرب فيه، وساء حفظه، وقدم وأخر، وزاد ونقص.

4- أما قول عائشة: فلم يرد بسند يصلح للحجة بل في سنده انقطاع وراوٍ مجهول. قال أبو الخطاب بن دحية في التنوير: إنه حديث موضوع عليها. وقال في معراجه الصغير: قال إم
nermeen
nermeen
35
35
انثى عدد المساهمات : 18007
ذهب : 36295
تقييم المشاركات : 265
تاريخ التسجيل : 10/09/2011

كلمة عن الاسراء والمعراج بحث كامل عن الاسراء والمعراج  Empty رد: كلمة عن الاسراء والمعراج بحث كامل عن الاسراء والمعراج

الإثنين يونيو 11, 2012 11:57 pm
المبحث الثالث

فوائد الإسراء والمعراج والدروس المستفادة منه



إن الله تعالى قد أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في جزءٍ من الليل، وكان هذا الإسراء على البراق في أسرع زمن.

ثم عُرج به- عليه الصلاة والسلام- في تلك الليلة إلى سدرة المنتهى، وتكلم مع الأنبياء في السموات العلا، والأضبط في أماكن الأنبياء في السماوات أنه على هذا الترتيب: آدم، ثم عيسى ويحيى، ثم يوسف، ثم إدريس، ثم هارون، ثم موسى، ثم إبراهيم(136).

وفي هذه الليلة رأى من آيات ربه العظيمة، ثم هبط إلى الأرض، وبعدها رجع إلى مكة يخبر قومه بما رأى.



في هذه الرحلة العظيمة- رحلة الإسراء والمعراج- دروس وعبر يمكن تقسيم هذه الفوائد والدروس إلى ثلاثة مطالب :



المطلب الأول: الفوائد والحِكَم من الإسراء والمعراج.

المطلب الثاني: الفوائد والحِكَم من الإسراء.

المطلب الثالث: الفوائد والحِكَم من المعراج.



أبدأ بالفوائد والدروس التي يمكن استنباطها من الإسراء والمعرج ، فأقول وبالله التوفيق:



1- من فوائد الإسراء والمعراج: الريادة والمكانة التي نالها النبي – صلى الله عليه وسلم- :

تتوقف الأحاسيس عند لغتين أوسع وأعم وأشمل في حروفها وألفاظها ودلالاتها. لغتين تصوران نواميس الكون، وتحددان مسارات الدنيا والوجود، وتمدانا دائمًا بمناهل العبر والعظات والدروس؛ إنهما لغتا الريادة في الإسراء والمكانة في المعراج اللتان نالهما حبيبنا -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا ما أراده ربنا -سبحانه وتعالى- منا -نحن المسلمين-:قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[آل عمران:104]. ولهذا سمي ديننا بالإسلام، إنه إسلام النفس إلى خالقها، إسلامها إلى واجبها، إلى تبعاتها المناطة بها، إلى رسالتها التي عليها أن تحملها، إلى ريادتها وقيادتها الركب، كأن المسلم يُسلم روحه إلى الإنسانية تهتدي وتقتدي بها. إنها ريادة بين سكينة النفس في الداخل، وتبعة المسئولية في الخارج.

إنها المكانة، بين شرف لقاء مالك الملك في السماء، وتوابع هذا الشرف في الأرض.

ولقد وصل - صلى الله عليه وسلم- في معراجه إلى أعلى السماء، حيث لا يصل إليه أحد، ومضى هو -صلى الله عليه وسلم- إلى ربه -جل شأنه- ينال الشرف والسمو والعلا، ويضفي كل هذا على أمته، فتزهو به وتشرَّف، وتكون أمة الشهادة: قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾[البقرة:143]. وتغدو خير أمة، قال تعالى:﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ﴾[آل عمران:110].

ولهذه المكانة شروط وتوابع ومهام، لا ينالها إلا من قام بها بحقها، وما حقها بهيّن، ولا رخيص، فمن أرادها سهر الأيام والليالي، أسلم النفس، وهجر الكسل، وعرف دوره، قال تعالى:﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام:162].

2- من فوائد الإسراء والمعراج: أن ندرك مكانة المسجد الأقصى:

إن للمسجد الأقصى مكانةً عظيمة على مرّ التاريخ، والسؤال الَّذي يطرح نفسه: لماذا كان الإسراء إلى المسجد الأقصى؟ ولماذا رُفع المسيح من المسجد الأقصى؟ هل يمكن أن تكون هناك قاعدة فضاء سماوية مهيَّأة لرفع الأنبياء جسداً وروحاً في بيت المقدس؟ ويأتينا الجواب من قِبَل ربِّ العالمين في قوله سبحانه: ﴿ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ أي: جعلنا حوله البركة، وأحطناه ببركات الدِّين والدنيا(137)، لأنه مهبط الوحي والملائكة، ومحراب الأنبياء ومكان عروجهم إلى عالم السماء.

نتوقف عند العبر، عند المسجد الأقصى المبارك الذي كانت فيه رحلة الريادة، وبدأت منه رحلة المكانة، إنها إشارة واضحة إلى مكانته في ديننا، وإلى أهمية دوره لكل مسلم، فلا الريادة تكمل بغير أن يكون معنا وبنا وفينا، ولا المكانة تُنال طالما كان طريقنا إليه مقطوعا، ولو وعى المسلمون هذا الدرس لما كان على مسجدنا الأثير أن ينظر وينتظر ويألم، ولما كان على المسلمين أن يألموا كما يألم، ولما شكا مسلم العجز والضعف، ولما حل الوهن في الأجساد، ولما خارت العزائم.

إنّ ما يربطنا بالمسجد الأقصى أكبر من مجرد مكان أو مسجد أو حرم، إنه عنوان وجودنا، ودليل ريادتنا، وموطن مكانتنا، وحنيننا إليه ليس حنين مكان فقدناه، ولكنه حنين عاشقٍ يعلم ألاّ كيان له ولا وجود إلا بكيانه وبوجوده.

إنّ حاجتنا للمسجد الأقصى أكثر بمئات المرات من حاجته إلينا لو كنا نعلم. ولقد علَّمتنا رحلة الإسراء والمعراج أن المسلم شخص ممتدٌّ بوجوده وبكيانه وبخيره على العالَمين، شخص يرتبط في لحظة واحدة مع المسجد الحرام وكل من يتجه إليه، ومع كل الرسالات السابقة عبر المسجد الأقصى، ومن صلى فيه من الأنبياء -عليهم السلام- ومن ثَمَّ من تبعهم.

هذا ما أخبرتنا به رحلة الإسراء والمعراج، ونجلس دائما أمام أشخاصها، نحبهم، وننهل منهم حتى الارتواء، ولكن تبقى في النفس غصة حين نتذكر أماكنها؛ لأن ريادتنا تائهة، ومكانتنا بعيدة المنال، حتى يعود مفتاحنا ومعبرنا إلى أحضاننا، وحتى يتوقف المسجد الأقصى المبارك عن الشكوى والأنين والألم.

هذه ذكرى الإسراء والمعراج، نتذكرها ونفخر بها، لكنها تبقى ذكرى ناقصة، حزينة، دامعة، حتى نقوم بدورنا، وبمسئوليتنا، وبواجبنا نحو ربنا، ومسجدنا، والعالم من حولنا.

3- من فوائد الإسراء والمعراج: أنه معجزة عظيمة من معجزاته – صلى الله عليه وسلم(138)-:

إنّ أعظم معجزةٍ جاء بها محمَّد-صلى الله عليه وسلم- هي القرآن الكريم؛ المعجزة الخالدة الَّتي لا يفنى أثرها، ولا ينقضي إعجازها، المعجزة الأم الَّتي كانت المعجزات الأخرى تابعة لها، ومنطوية تحت جناحها، وقد حوت معجزة القرآن فيما حوت بين ثناياها معجزة الإسراء والمعراج.

لقد أكرم الله نبيَّه - صلى الله عليه وسلم- برحلةٍ لم يسبق لبشر أن قام بها، وقد كانت انطلاقتها من المسجد الحرام في مكَّة المكرمة، وأوَّل محطَّة لها في المسجد الأقصى ببيت المقدس، بينما كانت آخر محطَّاتها سدرة المنتهى فوق السموات السبع وتحت العرش.

عُرج بالنبي عليه الصلاة والسَّلام إلى عوالم السماء حيث شاهد ما لا يمكن لبشر أن يراه إلا عن طريق العون الإلهي.

وصل- صلى الله عليه وسلم- إلى مستوى يسمع فيه صرير الأقلام التي تنسخ بها الملائكة في صحفها من اللوح المحفوظ، وسمع - صلى الله عليه وسلم- كلام الله تعالى الأزلي الأبدي الذي لا يشبه كلام البشر، ورأى - صلى الله عليه وسلم- ربه بفؤاده لا بعينه، وقد تقدم ذلك.

منح الله تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم- في هذه الرحلة عطاءً روحياً عظيماً، تثبيتاً لفؤاده، ليتمكَّن من إتمام مسيرته في دعوة الناس، وإنقاذ المجتمع من أوهام الخرافة والضلال.

4- من فوائد الإسراء والمعراج: أن نتعرّف على عظمة قدرة الله تعالى:

إن القدرة الإلهيَّة الَّتي خلقت هذا الكون الكبير، لن تعجز عن حمل بشر إلى عالم السماء، وإعادته إلى الأرض، في رحلة ربَّانية معجزة لا يدري كيفيَّتها بشر.

فالإسراء: آية من آيات الله تعالى الَّتي لا تعدُّ ولا تحصى(139)، وهو انتقال عجيب بالقياس إلى مألوف البشر، ولهذا فقد أثار كفار قريشٍ حوله جدلاً طويلاً، وتساؤلاتٍ كثيرة. ولا يخفى على كلِّ ذي بصيرة آمن بالله - عزَّ وجل- أنَّ الله تعالى واضع نظام هذا الكون وقوانينه؛ وأن من وضع قوانين التنفُّس والجاذبية والحركة والانتقال والسرعة وغير ذلك، قادر على استبدالها بغيرها عندما يريد ذلك، وإن الإسراء بالرسول - صلى الله عليه وسلم- ثمَّ العروج به إلى السموات العلى لا يخرج عن هذه الحقيقة.

إن آيات الله في الكون وفي أنفسنا تقصر دون إدراكها العقول، وعلم الله واسع لا تحده المدارك، ولكن الله سبحانه وتعالى هيأ للناس عن طريق قواهم العقلية والروحية أسباب المعرفة، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾[البقرة:255]. وقد كشف الله للنبي - صلى الله عليه وسلم- بصيرته، فأدرك من آيات الله ما لا نحتاج في تفسيره إلى الافتعال، لأنه قد رجع إلينا من رحلة الكشف الروحية بآيات من كتاب الله، تحدد لمن عاصره، ولمن جاء بعده، طريق الارتقاء الروحي.

والتميز بين البشر، إنما يكون بالأرواح التي تستمد غذاءها من السماء، فكم نحن بحاجةٍ إلى الجوانب الروحية، والتجرد من كثير من النزوات والشهوات، حتى تنطلق قوانا العقلية والجسدية من عقالها، وتعيد تخطيط حياتنا العقلية والشعورية بما يتلاءم مع متطلبات حياتنا المتجددة أبداً بحيث يحدث التلاؤم والانسجام بين حاجاتنا الروحية وتطلعاتنا العقلية ورغباتنا الحسية والجسدية.

وقد شاهد الرسول - صلى الله عليه وسلم- بعين البصر أو البصيرة مصداق كل ذلك في مسراه تلك الليلة.



5- من فوائد الإسراء والمعراج: شق الصدر:

إن شق الصدر قد وقع عدة مرات، وحقق الحافظ ابن حجر بأنه وقع ثلاث مرات (140)، فالأول: كان في زمن الطفولة، لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، والثاني: كان عند البعثة ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، والثالث: عند الإسراء(141)، ليتأهب للمناجاة، وهذا من جنس ما ابتلي به الذبيح( إسماعيل- عيه السلام-) وصبر عليه، بل هذا أشق وأجل، لكونه حقيقة، حيث كانوا يرون أثر المخيط في صدره - صلى الله عليه وسلم-(142).

6- من فوائد الإسراء والمعراج: وضع بيت المقدس أمامه- عليه الصلاة والسلام- وهو بمكة:

إن قريشاً لما سمعت هذا الخبر، سألته عن وصف بيت المقدس، وعن عدد أبوابه، فجلّى الله لرسوله بيت المقدس حتى وضعه أمامه، فأخبرهم عما يريدون لم يخطئ في شيء، وفي هذا تأييدٌ من الله لرسوله – صلى الله عليه وسلم-، وإظهارٌ للحق، وإلزامٌ واضح لكل الناس بالتصديق في الإسراء والمعراج، وبكل ما قاله النبي – صلى الله عليه وسلم- في هذه الرحلة العظيمة.

عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما-، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:" لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فجلاّ الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه"(143).





المطلب الثاني

الفوائد والحِكَم من الإسراء



إنّ الفوائد والحكم الخاصة في رحلة الإسراء، يمكن ذكرهامن خلال النظر من مطلع سورة الإسراء.

في مطلعها قول الحق – تبارك وتعالى- : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ [الإسراء:1].

في هذه الآية فوائد عظيمة، وحكم جليلة، ومعاني لطيفة من كل كلمةٍ على حدة، سأبدأ بذكر هذه الفوائد من هذه الآية، ثم أذكر الفوائد الأخرى التي يمكن استنباطها من رحلة الإسراء.

1- الفوائد الواردة في آية الإسراء:

بدأت السورة بالتسبيح، وختمت بالحمد إذ قد ورد في آخرها قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾[الإسراء: 111]. وبعدها سورة الكهف ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾[الكهف:1].

وليس هناك في القرآن كله سورة شاع فيها التسبيح، كما شاع في سورة الإسراء، إذ قد ورد فيها قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ [الإسراء:43]. وقوله تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾[الإسراء:44].

الفائدة من كلمة: سبحان

سبحان هي: إما اسم مصدر، أو عَلَمٌ على التسبيح(144). ولقد ورد التسبيح في القرآن الكريم في سور شتّى، فورد بصيغة الفعل الماضي ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ﴾[الحديد:1]. والفعل المضارع ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ﴾[الجمعة:1]. وفعل الأمر ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾[الحجر:98]. وورد بتعدية الفعل نفسه ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾[الأعلى:1]. ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾[الفتح:9]. فنحن نسبّحه، ونسبّح له، ونسبّح باسمه، ونسبّح بحمده، وكلمة سبحان: مصدر تفيد الإطلاق بدون تقيّد بزمن أو بفعل أو بفاعل.كما هو مقرر في اللغة(145).



الفائدة من كلمة: أسرى:

أسرى: تفيد المشي ليلاً، وقد يكون من معانيها التخفيف عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- بعدما لاقاه في عام الحزن، وما حصل له في الطائف، فأراد الله تعالى أن يخفف عن رسوله ويريه كيف تكون حفاوته في السماء بعد أن آذوه الكفّار في قريش والطائف.

الفائدة من كلمة: بعبده:

لم يقل برسوله ولا بمحمد، وإنما قال بعبده. فالاختيار لكلمة بعبده له جملة معاني، أولها: أن الإنسان مهما عظُم لا يعدو أن يكون عبداً لله تعالى، ولا يُدعى له مقام غير مقام العبودية. فمقام العبودية لله هو أعلى مقام للخلق وأعلى وسام يُنعم الله تعالى به على عباده الصالحين؛ وقد وصف بها الأنبياء – عليهم السلام-، فوصف بها نوح، في قوله تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ﴾[الإسراء:3]. وأيوب في قوله تعالى: ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾[ص:44]. والرسول - صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾[الجن:19]. وثانيها: حتى لا يًعظّم أكثر مما ينبغي، كما فعلت النصارى بعيسى- عليه السلام- .

والباء في كلمة بعبده: تفيد المصاحبة، أي صحبه في مسراه بالعناية واللطف والرعاية والحفظ.

الفائدة من كلمة: ليلاً:

أنّ هذه الرحلة الطويلة من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى والعروج إلى السماء كانت كلها في الليل، وقد تم الإسراء في جزء من الليل فقط، وليس الليل كله، وذلك من إطلاق كلمة ليلاً.

والفائدة في هذا: أن الليل وقت الخلوة والاختصاص، وأنه وقت الصلاة التي كانت مفروضة عليه في قوله تعالى:﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾[المزمل:2]. وأيضاً: فهذا فيه عبرةٌ لأولي الألباب، وهدى ورحمةٌ وثباتٌ لمن آمن وصدق، وهذا أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب، ليمحِّص الله المؤمنين، وليميِّز من كان صادق الإيمان، فيكون خليقاً بصحبة رسوله الأعظم إلى دار الهجرة، وجديراً بما يحتمله من أعباء وتكاليف. إذ قد أطْلَعَ الله - سبحانه وتعالى- رسوله في هذه الليلة على آيات كونيَّة تنطق بما في الكون من العظمة والجلال(146).

الفائدة من قوله: من المسجد الحرام:

في هذه الكلمات تحديد المكان. وحيث ورد: أن الإسراء لم يتم من المسجد الحرام، وإنما من بيت أم هانئ، فقد تقدم الجمع في ذلك بأن جبريل أخرجه إلى المسجد الحرام(147)، وعلى ظاهر الرواية، فهذا فيه لفتةٌ إلى أن مكة كلها حرم.



الفائدة من قوله: المسجد الأقصى:

لم يكن آنذاك مسجداً، وإنما كان معبداً، وفي هذا إشارةٌ إلى أنه سيكون مسجداً.

فيكون القرآن الكريم قد أخبرنا بكونه مسجداً، على لسان رسولنا – صلى الله عليه وسلم- فتحقق ما أخبر به القرآن، وقد صلى فيه تلك الليلة – عليه الصلاة والسلام-، وأخبر في الصحيح بأنه من الأماكن الثلاثة التي تشد إليها الرحال، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم- ومسجد الأقصى"(148)

وفي تحققه مسجداً، فهو حق للمسلمين وليس لغيرهم، فيه يؤدون العبادات، ويقيمون الشعائر.



الفائدة من قوله: باركنا حوله:

أسند تعالى المباركة لنفسه، للدلالة على التعظيم، ولم يقل بورك حوله، والنون للعظمة، ولم يقل: باركناه لانحصار المباركة بالمسجد فقط، أما باركنا حوله: فهو يشمل المسجد، وكل ما حوله.



الفائدة من كلمة: لنريه:

هذه الكلمة فيها التفات لأسلوب المتكلم بعد أن ابتدأ بالغائب في قوله: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى ﴾[الإسراء:1]. ليدلّ على أن المتكلّم هو الله تعالى، ولم يقل ليَرى أو ليُرى، وإنما لنُريه - التي فيها: إسناد الفعل لله تعالى، وشدة احتفائه برسوله - صلى الله عليه وسلم-، وكلمة لنُريه:اللام: تدلّ على أن أفعاله سبحانه معلّلة، ولغرض معيّن، ولحكمة قد يذكرها، وقد يخفيها عنّا سبحانه.

الفائدة من قوله: من آياتنا:

أي مقرر ومُعدّ أن يرى بعض الآيات، وإضافة الآيات إلى نفسه تعالى تأتي من باب الاحتفاء بالرسول - صلى الله عليه وسلم-، وكذلك فهذه الآيات التي رآها الرسول – صلى الله عليه وسلم- عظيمة، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾[النجم: 18].

الفائدة من قوله: إنه هو السميع البصير:

عودة إلى الإفراد والوحدانية، فهي تدل على أنه سبحانه في الحقيقة هو المتفرّد بهذه الصفات، ولقصر الصفات له سبحانه جاء بالضمير (هو) .

والسؤال الأول هنا: لماذا خُتمت الآية بـ (السميع البصير)؟ ما دلالة السمع والبصر هنا؟

سياق الآيات تقتضي ذكر قدرة الله تعالى، ولكن لو قال: إنه هو القدير، أو إنه على كل شيء قدير، لا يزيد هذا اللفظ شيئاً على معنى الآية، لأن ما في.الآيات هو إثبات لقدرة الله تعالى، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم- أُسري به ليسمع ويرى أشياء لم يسمعها ولم يرها من قبل ذلك، ناسب سياق الآيات أنه ما يراه الرسول - صلى الله عليه وسلم- يراه ربّه، وما يسمعه هو يسمعه ربّه تعالى.

والسؤال الثاني: لماذا قدم السمع على البصر؟

والجواب: إن في تقديمه السمع على البصر عدة أسباب، يمكن ذكرها كالتالي:

1- الإسراء في الليل، وفي القرآن عندما يأتي ذكر الليل تأتي الآيات بـ ﴿ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴾[القصص:71]. وعند ذكر النهار تأتي: ﴿ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾[القصص:72]. فكلّ آية تناسب وقتها، فالليل للسمع، والنهار للإبصار.

2- قُدّم السمع على البصر في القرآن إلا في مواطن قليلة، منها في سورة الكهف ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾[الكهف:26]. لأن السياق يقتضي ذلك، فقد خرج أهل الكهف فارّين حتى لا يراهم أحد، لكن الله تعالى يراهم في ظلمة الكهف، وفي تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. ومنها في سورة السجدة ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾[السجدة:12]. قدّم البصر هنا: لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا ويكذبون في الآخرة، وأبصروا العذاب واليقين ورأوه عين اليقين.

3- وفي مجال الدعوة، فالسمع أهمّ من البصر، ففاقد البصر يمكن أن يبلّغ في مجال الدعوة، أما فاقد السمع فيصعب تبليغه.



2- من فوائد الإسراء: ركوب البراق(149):

وهذه أعظم وسيلة للمواصلات في قطعه المسافة الطويلة في أقل زمن، وفي خضوعه له، وعدم نفوره منه.وفي هذا دلالة على أن البراق كان مُعداً لركوب الأنبياء، ويؤيده قوله: - صلى الله عليه وسلم-" فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء"(150). وفى ربطه للبراق: دليل على الأخذ بالاحتياط في الأمور، وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى(151).



3- من فوائد الإسراء: أنه – عليه الصلاة والسلام- صلى بالأنبياء إماماً:

ورد في الصحيح قوله – صلى الله عليه وسلم-: "فحانت الصلاة فأممتهم"(152). وقال عمر - رضي الله عنه- لما دخل بيت المقدس: أصلي حيث صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتقدم إلى القبلة فصلى(153).

قال القاضي عياض: (وقد ثبت في حديث الإسراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم- اجتمع بالأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- في السماوات، وفي بيت المقدس، وصلى بهم)(154).

قال: فيحتمل أن يكون صلى بالأنبياء جميعا في بيت المقدس، ثم صعد بهم إلى السماوات، وحينئذٍ فالصلاة التي صلاها قد تكون ركعتين؛ لأن الصلاة كانت قبل الإسراء ركعتين أول النهار وركعتين آخره، وقد تكون تطوُّعًا لله. ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا معه، وهبوطهم كان تكريما له وتعظيما عند رجوعه كما هي عادة الوافدين (155).

والذي يظهر: أن صلاته بهم ببيت المقدس كانت قبل العروج لما تقتضيه سياق الأحاديث(156).

واختلف العلماء في هذه الصلاة (157)؟ فقيل: إنها صلاة لغوية، والمقصود الدعاء والذكر. وقيل: هي الصلاة المعروفة، وهذا أصح، لأن اللفظ يحمل على حقيقته الشرعية قبل اللغوية، وإنما يحمل على اللغوية إذا تعذر حمله على الشرعية، ولم يتعذر هنا.

قال ابن حجر: وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل الأجساد بأرواحها(158).

وأما كونه صلى بهم: فهذا يرشد إلى أنه جاء بشريعة ختمت الشرائع السالفة كلَّها، وفي هذا مغزى جدير بالتأمُّل والتفكُّر، وهو أن جميع الأنبياء على وفاق ووئام، أتوا لتبليغ عباد الله الدِّين الحقَّ، وشريعة ربِّهم الَّذي أرسلهم، ممَّا يستوجب على متَّبعيهم أن يقتفوا سُنَّة رسلهم، وأن يجعلوا أمرهم سَلَماً بينهم، وأن يجعلوها الشريعة الأخيرة، والأحكام الَّتي جاءت بها هي التي يُقضى به بين الناس. فهذه رحلة تربط بين شرائع التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السَّلام- إلى محمَّدٍ خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم-، وتربط بين الأماكن المقدَّسة برسالات التوحيد جميعاً.

وحين أَمَّ نبينا - صلى الله عليه وسلم- الأنبياء - عليهم السلام-، إنما هو ليربط أمته بالسابقين من الأنبياء والصديقين والشهداء، وليصل بها إلى أنها أمة الإمامة، أمة القيادة، أمة الواجب، أمة المسئولية.



4- من فوائد الإسراء به إلى بيت المقدس قبل المعراج إلى السماء:

قيل: ليحصل العروج مستوياً من غير تعريج، لما روي عن كعب الأحبار: أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس. وقيل: ليجمع تلك الليلة بين القبلتين. وقيل: لأنه محل الحشر، وغالب ما رآه في تلك الليلة يناسب الأحوال الأخروية.

وقيل: لإرادة إظهار الحق على من عاند، وذلك لما سألوا النبي- صلى الله عليه وسلم- عن جزئيات من بيت المقدس؛ كانوا قد رأوها وعلموا أنه لم يراها قبل ذلك، وأجابهم؛ لزمهم التصديق في بقية كلامه عن المعراج إلى السماء(159). وعليه: فقد تكون هذه حِكم معتبرة، وقد تكون هناك حِكم أخرى.







المطلب الثالث

الفوائد والحِكَم من المعراج



إن السورة التي تحدثت عن المعراج إلى السماء للنبي – صلى الله عليه وسلم- هي سورة النجم، وسأبدأ بإشارات يسيرة من هذه السورة، ثم أذكر الفوائد الأخرى التي تستفاد من المعراج.

1- إشارات مقتطفة من مطلع سورة النجم:

يُقسم الله تعالى بهذه الظاهرة الحقيقية، بياناً لعظمة ما يأتي بعد القسم، فيقول: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم:1-4]. أي: أن ما يقوله الرسول - صلى الله عليه وسلم- عن الإسراء والمعراج صحيح تماماً؛ لأنه كان على أفضل حال من الإدراك والوعي، عندما عُرج به إلى السماء العليا لمناجاة ربِّ العالمين، ولمشاهدة عوالم الآخرة من جحيم ونعيم.

وفي هذا القَسَمِ: إشارة إلى أن هناك عوالماً وأجراماً علوية، علينا أن نتعرَّف أمرها؛ لنستدل على عظيم قدرة مبدعها وروعة صنعه. وقد أثبت العلم الحديث ما يدعو إلى العجب من أحوال هذه الأجرام، وسرعة سيرها، وكبر حجمها، وأسباب اندثارها وتلاشيها.

وجواب القسم: فيه تبرئةٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم- ممَّا نُسب إليه من اتِّهامات باطلة، بأنه شاعر أو كاهن أو مجنون، وتأكيدٌ لحقيقة أنه لا ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى إليه من الله تعالى. وأَمْرُ الوحي أمرٌ واضحٌ مشهود، ورؤيةٌ محقَّقة، ويقينٌ جازم، وعلى هذا اليقين تقوم دعوته الَّتي ينكرونها عليه ويكذِّبونه، ويشكُّون في صدق الوحي إليه، وهو صاحبهم الَّذي عرفوه، وربُّه يصدِّقه ويقسم على صدقه، ويقصُّ عليهم كيف أوحى إليه، وفي أيِّ الظروف، وعلى يد مَن، وكيف لاقاه، وأين رآه! قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾[النجم:13-18].

2- من فوائد المعراج: استفتاح جبريل- عليه السلام- لأبواب السماء:

ورد في الأحاديث: أن جبريل كان يستفتح أبواب السماوات؛ لأنها كانت مغلقة، وإنما لم تهيأ له بالفتح قبل مجيئه- وإن كان أبلغ في الإكرام – لأنه لو رآها مفتوحة لظن أنها لا تزال كذلك، فحصل الاستفتاح ليعلم أن ذلك إنما حصل لأجله- عليه الصلاة والسلام- ولأن يطلعه الله على كونه معروفا عند أهل السماوات، فكان سؤالهم: أبعث إليه؟ ولم يقولوا: ومن محمد.

3- من فوائد المعراج: أنه تعليمٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالمشاهدة والنظر:

وذلك ليكون ذلك درساً عملياً يتعلَّم فيه الرسول بالمشاهدة والنظر، لأنه أجدى أنواع التعليم وأشدها رسوخاً، ولقد كفل له ربُّه ذلك بما أراه من آياته الكبرى، وما أطلعه عليه من مشاهدة تلك العوالم الَّتي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها إلا بضرب من التخيُّل، فأنَّى لنا أن نصل إلى ذلك وقد حبس عنَّا الكثير من العلم، وما أوتينا منه إلا قليلاً، قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾[الإسراء:85]. والله قد أعطى كلَّ نوع من مخلوقاته علوماً تتوافق مع استعداده وفطرته ومهمَّته في هذا الكون.

إن روحانية الأنبياء تتغلَّب على كثافة أجسامهم، فما يخيَّل إلينا أنه مانع من الوصول إلى عالم الملأ الأعلى، واستحالة الوصول إلى الطبقات العليا من السماء، ما هو إلا بالنظر إلى الأجرام والأجسام المشاهدة في عالم الحسِّ والقوانين الَّتي تحكمها، أمَّا الأنبياء والملائكة فإن لروحانيتهم أحكاماً أخرى لم يصل العقل البشري إلى تحديدها وإبداء الرأي فيها.

4- من فوائد المعراج: الإطلاع على أصناف من المعذبين:

وقد أَطْلَعَ الله تعالى نبيَّه الكريم على أصناف من الناس يواجهون عواقب ما عملوا في الدنيا، ليكون في ذلك موعظة لمن يبلِّغهم الرسالة، ومن ضمن الروايات الواردة فيما اطلع عليه – صلى الله عليه وسلم-:

· أصحاب الغيبة: أخرج أحمد وأبو داود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "لمَّا عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون في وجوههم وصدورهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الَّذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم"(160) أي: يغتابونهم.

· الذين يقولون ما لا يفعلون: أخرج ابن مردويه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "ليلة أسري بي مررت بناس تُقْرَض شفاههم بمقارض من نار، كلَّما قُرضت عادت كما كانت. فقلت من هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمَّتك الَّذين يقولون ما لا يفعلون"(161).

· آكل الربا: أخرج ابن مردويه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "ليلة أسري بي رأيت رجلاً يَسْبَحُ في نهر يُلقَم الحجارة فسألت: من هذا؟ فقيل لي: هذا آكل الربا"(162). وغيرهم من المعذبين(163).

5- من فوائد المعراج: أخذه- عليه الصلاة والسلام- اللبن:

جاء في الحديث أن جبريل - عليه السلام- قال له عندما أخذ اللبن:" هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَمَّا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ"(164)، وفي رواية: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك. فسبب تسميته اللبن فطرة؟ قيل: لأنه أول شيء يدخل بطن المولود، وقيل: لكونه كان مألوفا له – صلى الله عليه وسلم. قاله القرطبي(165). وقيل: السر في ميله إليه، ما وقع في بعض طرق الإسراء أنه – صلى الله عليه وسلم- عطش فآثر اللبن دون غيره.

ولقد اتضحت الحكمة من الحديث في عدوله عن الخمر، وأما السر في عدوله عن العسل إلى اللبن؟ فلأنّ اللبن انفع، وبه يشتد العظم، وينبت اللحم، وهو بمجرده قوت، وهو أقرب إلى الزهد . والعسل -وإن كان حلالا- لكنه من المستلذات(166) .

وهذا لا يعارض ما روي عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يحب الحلواء والعسل"(167). لأنه كان يحبه مقتصداً في تناوله، لا في جعله ديدناً له.

6- من فوائد المعراج: أهمية الصلاة:

لقد فرضت الصلاة من بين أركان الإسلام في السماء السابعة، فأصبحت الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وفي هذا دليل: على أهمية هذه الرحلة العظيمة- رحلة الإسراء والمعراج- حيث فرضت في هذه الرحلة: الصلاة.

وفيه دليل أيضاً: على أهمية الصلاة، وعظمها في الإسلام، ولذلك شدّد الإسلام عليها كل التشديد، وجعلها معياراً فاصلاً بين الرجل وبين الشرك(168)، وأمر بالقيام بها في السفر والحضر، والأمن والخوف، والصحة والمرض، وأصبحت قرة عين النبي - صلى الله عليه وسلم-. روي عن أنس مرفوعاً، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" حبب إلي من الدنيا: النساء، والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة"(169). وكان إذا حزبه أمرٌ قام إلى الصلاة، عن حذيفة- رضي الله عنه- قال:" كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمرٌ صلى"(170).

وكتب عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- إلى عمّاله: إنّ أهمّ أمركم عندي الصّلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع(171).

ولهذه الأهمية جعلت أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من حقوق الله تعالى، عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلّى اللّه عليه وسلّم-:" إنّ أوّل ما يحاسب النّاس به يوم القيامة من أعمالهم الصّلاة، قال يقول ربّنا - جلّ وعزّ- لملائكته - وهو أعلم-: انظروا في صلاة عبدي أتمّها أم نقصها، فإن كانت تامّةً كتبت له تامّةً، وإن كان انتقص منها شيئًا، قال: انظروا هل لعبدي من تطوّعٍ؟ فإن كان له تطوّعٌ، قال: أتمّوا لعبدي فريضته من تطوّعه، ثمّ تؤخذ الأعمال على ذاكم"(172).

7- من فوائد المعراج: اختصاص موسى – عليه السلام- بالمراجعة في أمر الصلوات، دون غيره من الأنبياء :

قد تكون الحكمة في مراجعة موسى، لكون أمته كلفت من الصلوات بما لم يكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- من مثل ذلك، ومما يشير إلى هذه الحكمة قوله: إني قد جربت الناس من قبلك(173)، وهذا هو الظاهر.

وقيل: لأن أشهر الكتب بعد القرآن هما التوراة والإنجيل، وعيسى – عليه السلام- إنما بعث لتجديد العهد بالتوراة، وجاء محمدٌ بالقرآن ناسخا لها، فاتسعت المراجعة بينهما، لأنهما صاحبا الشريعة؛ الناسخة والمنسوخة(174).

8- من فوائد المعراج: معرفة سبب بكاء موسى – عليه السلام-:

لم يكن بكاؤه – عليه الصلاة السلام- وقوله الذي قاله حسداً، لأن الحسد قد يكون ممنوعاً عند آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله !

وإنما كان بكاؤه أسفاً على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة، وذلك بسبب ما موقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لنقص أجورهم، فإن لكلّ نبيّ مثل أجر من تبعه، وأن من اتّبعه دون من اتبع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم-.

عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: "من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا"(175).

الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى